لسان الدين ابن الخطيب

369

الإحاطة في أخبار غرناطة

كتابته : وهي من قلّة التصنّع والإخشوشان ، بحيث لا يخفى غرضها ، ولكل زمان رجاله . وهي مع ذلك تزينها السذاجة ، وتشفع لها الغضاضة . كتب عن الأمير يوسف بن تاشفين ولاية عهده لولده : « هذا كتاب تولية عظيم جسيم ، وتوصية حميم كريم ، مهدت على الرّضا قواعده ، وأكّدت بيد التقوى مواعده ومعاقده ، وسدّدت إلى الحسنى مقاصده ، وأبعدت عن الهوادة والهوى مصادره وموارده . أنفذه أمير المسلمين ، وناصر الدين ، أبو يعقوب يوسف بن تاشفين ، أدام اللّه أمره ، وأعزّ نصره ، وأطال فيما يرضيه منه ، ويرضى به عنه عمره ، غير محاب ، ولا تارك في النصيحة للّه ولرسوله والمسلمين موضع ارتياب لمرتاب ، للأمير الأجل أبي الحسن عليّ ابنه ، المتقبّل هممه وشيمه ، المتأثّل حلمه وتحلّمه ، الناشئ في حجر تقويمه وتأديبه ، المتصرّف بين يدي تخريجه وتدريبه ، أدام اللّه عزّه وتوفيقه ، ونهج إلى كل صالح من الأعمال طريقه ، وقد تهمّم بمن تحت عصاه من المسلمين ، وهدى في انتقاء من يخلفه هدى المتّقين ، ولم ير أن يتركهم بعد سدى غير مدينين ، واعتام في النّصاب الرفيع واختار واستنصح أولي الرأي والدين ، واستشار فلم يوقع بعد طول تأمل ، وتراخي مدة ، وتمثل اختياره ، واختبار من فاوضه في ذلك من أولي التقوى والحنكة واستشارة الأعلية ، ولا صار بدونهم الارتياد والاجتهاد إلّا إليه ، ولا التقى روّاد الرأي والتشاور إلّا لديه . فولّاه عن استحكام بصيرة ، وبعد طول مشورة ، عهده ، وأفضى إليه الأمر والنهي ، والقبض والبسط عنده بعده ، وجعله خليفته السّاد في رعاياه مسّده ، وأوطأ عقبه جماهير الرجال ، وناط به مهمات الأمور والأعمال ، وعهد إليه أن يتّقي اللّه ما استطاع ، ولا يعدل عن سمت العدل وحكم الكتاب والسّنّة في أحد عصا أو أطاع ، ولا ينام عن حماه الحيف والخوف بالاضطجاع ، ولا يتليّن دون معلن شكوى ، ولا يتصام عن مستصرخ لذي بلوى ، وأن ينظم أقصى البلاد وأدناها في سلك تدبيره ، ولا يكون بين القريب والبعيد بون في إحصائه وتقديره . ثم دعا ، أدام اللّه تأييده ، لمبايعته ، أدام اللّه عزّه ونصره ، من حضر ودنا من المسلمين ، فلبّوا مسرعين ، وأتوا مهطعين ، وأعطوا صفقة إيمانهم متبرّعين متطوعين ، وبايعوه على السمع والطاعة ، والتزام سنن الجماعة ، وبذل النصيحة جهد الاستطاعة ، ومناصفة من ناصفه ، ومحاربة من حاربه ، ومكايدة من كايده ، ومعاندة من عانده ، لا يدّخرون في ذلك على حال المنشط مقدرة ، ولا يحتجون في حالتي الرضا والسخط إلى معذرة . ثم أمر بمخاطبة سائر أهل البلاد لمبايعته ، كل طائفة منهم في بلدها ، وتعطيه كما أعطاه من حضر صفقة يدها ، حتى ينتظم في التزام طاعته القريب والبعيد ، ويجتمع على الاعتصام بحبل دعوته الغائب